الشنقيطي

18

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد رسم لنا النّبي صلى اللّه عليه وسلم الطريق الصحيح في مثل هذا المقام من إثبات وإيمان ، كما في صحيح البخاري أن النّبي صلى اللّه عليه وسلم صلى صلاة الصبح ، ثم أقبل على الناس فقال : « بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت : إنا لم نخلق لهذا ، وإنما خلقنا للحرث ، فقال الناس سبحان اللّه بقرة تكلم ؟ فقال : فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثمّ ، وبينما رجل في غنمه ، إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة . فطلب حتى كأنه استنقذها منه ، فقال له الذئب : هذا : استنقذتها مني ، فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس : سبحان اللّه ذئب يتكلم ، قال فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر ، وما هما ثم » « 1 » . ففي هذا النص الصريح نطق البقرة ونطق الذئب بكلام معقول من خصائص العقلاء على غير العادة ، مما استعجب له الناس وسبحوا اللّه إعظاما لما سمعوا ، ولكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم يدفع هذا الاستعجاب بإعلان إيمانه وتصديقه ، ويضم معه أبا بكر وعمر ، وإن كانا غائبين عن المجلس ، لعلمه منهما أنهما لا ينكران ما ثبت بالسند الصحيح لمجرد استبعاده عقلا . وهنا يقال لمنكري التسبيح حقيقة وما المانع من ذلك ؟ أهو متعلق القدرة أم استبعاد العقل لعدم الإدراك الحسي ؟ فأما الأول . فممنوع ، لأن اللّه تعالى على كل شيء قدير . وقد أخرج لقوم صالح ناقة عشراء من جوف الصخرة الصماء ، وأنطق الحصا في كفه صلى اللّه عليه وسلم . وأما الثاني : فلا سبيل إليه حتى ينتظر إدراكه وتحكيم العقل فيه ، فإن اللّه تعالى قال : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] . فلم يبق إلا الإيمان أشبه ما يكون بالمغيبات . وإيمان تصديق وإثبات لا تكييف وإدراك وخالق الكائنات أعلم بحالها وبما خلقها عليه . فيجب أن نؤمن بتسبيح كل ما في السماوات والأرض ، وإن كان مستغربا عقلا ، ولكن أخبر به خالقه سبحانه ، وشاهدنا المثال مسموعا من بعض أفراده . قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ [ 2 ] . أجمع المفسرون أنها في بني النضير ، إلا قولا للحسن أنها في بني قريظة ، ورد

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3471 .